Single Post
لو سمعت مصطلح “إدارة المعرفة” (Knowledge Management)، غالبًا ما يتبادر إلى ذهنك مفهوم جاف وممل، مخصص فقط للشركات الضخمة والأنظمة المعقدة والبيانات التي لا نهاية لها. قد تراه بعيدًا تمامًا عن حياتك اليومية وتحدياتك الشخصية.
لكن ماذا لو كانت المبادئ الأساسية لإدارة المعرفة هي نفسها سر تمكين الأفراد ومساعدتهم على تحقيق أهدافهم في الحياة؟
في هذا المقال، سنكشف عن خمسة دروس مدهشة ومؤثرة من عالم إدارة المعرفة، وسنرى كيف يمكن تطبيقها ليس فقط في الشركات، ولكن في دعم وتمكين أي شخص يواجه تحديات في حياته. هذه الرؤى ليست مجرد كلام نظري، بل هي مستوحاة من تقاطعات غير متوقعة بين أدلة حكومية متخصصة، ومنشورات منظمات تنموية دولية تعمل على الأرض كل يوم.
١. الهرم المعرفي ليس فقط للداتا والبيزنس.. بل هو خريطة لأي رحلة تغيير شخصية.
في عالم الشركات، يُستخدم “الهرم المعرفي” كأداة أساسية لتحويل الأرقام المجردة إلى قرارات استراتيجية. التسلسل الهرمي الكلاسيكي، كما توضحه أدلة مثل دليل الهيئة الاتحادية للموارد البشرية في الإمارات ودليل مؤسسة الآسيان، يتبع مسارًا واضحًا:
- البيانات (Data): حقائق خام بلا سياق. مثل: “شخص عمره ٣٠ سنة، لا يعمل، يستخدم كرسيًا متحركًا”. هذه مجرد نقاط متفرقة.
- المعلومات (Information): هي البيانات بعد وضعها في سياق لفهم العلاقات. مثل: “شخص عمره ٣٠ سنة، لا يعمل بسبب عدم وجود منحدرات في أماكن العمل المحتملة، ويحتاج إلى دعم”. هنا بدأنا نصل النقاط ببعضها.
- المعرفة (Knowledge): هي المعلومات عندما تتحول إلى قدرة على اتخاذ قرار أو فعل. مثل: “كيف يمكننا مساعدة هذا الشخص على إيجاد عمل عبر تكييف مكان العمل وتوفير التدريب المناسب؟”. هنا اكتملت الصورة وصارت لدينا خطة.
- لكن الرؤية الأكثر عمقًا هي أن هذا الهرم ليس مجرد أداة تحليلية، بل هو خريطة لأي عملية تغيير وتمكين إنساني. فإذا نظرنا إلى عملية “الدعم الاجتماعي المخصص” التي تتبعها منظمات مثل “هانديكاب إنترناشونال”، سنجد أنها تطبيق حي لهذا المفهوم. عملية الدعم التي تبدأ بـ “التواصل الأولي” (المرحلة الأولى في دليل HI) و “تشخيص الوضع” (المرحلة الثانية) هي بالضبط عملية جمع “البيانات” الخام وتحويلها إلى “معلومات” ذات سياق. ثم، من خلال “تحديد المشروع والتفاوض عليه” (المرحلة الثالثة) و”خطة العمل” (المرحلة الرابعة)، يتم الارتقاء بهذه المعلومات إلى “معرفة” عملية قابلة للتنفيذ تمكّن الشخص من تحقيق أهدافه.
٢. أغلى أنواع المعرفة ليست في التقارير.. بل في العقول.
- وإذا كان الهرم المعرفي هو الخريطة، فإن الدرس التالي يخبرنا أن أثمن الكنوز ليست مرسومة على هذه الخريطة على الإطلاق. يقسم خبراء إدارة المعرفة، المعرفة إلى نوعين أساسيين:
- المعرفة الصريحة (Explicit Knowledge): هي المعرفة التي يمكن تدوينها وتخزينها بسهولة، التقارير والكتيبات وقواعد البيانات.
- المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge): هي المعرفة الحية الكامنة في عقول الناس، والتي تشمل خبراتهم ومهاراتهم وحدسهم، ويصعب نقلها بالكتابة فقط.
- وهنا يكمن الفرق الجوهري؛ فبينما يمكن نسخ المعرفة الصريحة بسهولة، تتفق كل المصادر، من دليل حكومة الإمارات الذي يصفها بأنها “ذات قيمة وأهمية كبيرة”، إلى دليل مؤسسة الآسيان الذي يعتبرها مصدر “الميزة التنافسية”، على أن المعرفة الضمنية هي الأصل الأغلى والأصعب في التقليد. وكما يعرّفها دليل الهيئة الاتحادية للموارد البشرية:
المعرفة الموجودة في عقول الناس والتي يصعب نقلها من شخص إلى آخر عن طريق الكتابة أو التعبير اللفظي.
- ما يكشفه هذا هو أن نجاح أي عملية دعم إنساني لا يعتمد على التقارير المكتوبة (المعرفة الصريحة)، بل يعتمد على قدرة الداعم (الميسّر الاجتماعي) على فهم واستخراج المعرفة الضمنية من الشخص الذي يساعده ومن مجتمعه. أحلام هذا الشخص، مخاوفه، وقدراته التي قد لا يراها هو نفسه… كل هذه معرفة ضمنية. عندما نصل إلى هذا الكنز ونبني عليه، يحدث التغيير الحقيقي.
٣. “العقد” ليس مجرد ورقة.. بل أداة للتمكين الشخصي.
- بعد استخراج المعرفة الضمنية وتحويلها إلى أهداف، يأتي دور إضفاء الطابع الرسمي عليها. في المرحلة الخامسة من عملية “الدعم الاجتماعي المخصص” في دليل “هانديكاب إنترناشونال”، نجد خطوة تبدو بيروقراطية للوهلة الأولى: “إبرام العقد”.
- في عالم الشركات، العقد هو آلية قانونية لضمان الالتزام وتقليل المخاطر. لكن في عالم الدعم الإنساني، يتحول العقد إلى أداة نفسية للتمكين، تعيد تعريف ميزان القوى وتزرع بذور المسؤولية الشخصية. العقد هنا ليس مجرد ورقة، بل هو أداة قوية لتحويل العلاقة من علاقة “مساعدة” غير متكافئة من طرف قوى لطرف ضعيف، إلى علاقة “شراكة” والتزام متبادل. وكما يشير دليل “هانديكاب إنترناشونال” بوضوح، فإن العقد “يعطي بعدًا من المساواة، ويتجنب سيناريو الحماية/المساعدة”.
- إنه تجسيد عملية تحويل الأهداف الضمنية التي كانت في عقل الشخص إلى خطة عمل صريحة وملزمة للطرفين. عندما يوقع الشخص على عقد يحدد أهدافه ومسؤولياته، ومسؤوليات الطرف الآخر، يشعر لأول مرة أنه شريك في صناعة مستقبله، وليس مجرد متلقٍ للمساعدة. هذا الإحساس بالتحكم والمسؤولية هو جوهر التمكين الحقيقي.
٤. الهدف ليس “إدارة ما نعرفه” فقط، بل “فهم ما لا نعرفه”.
النهج التقليدي لإدارة المعرفة يركز على تنظيم وتصنيف المعلومات الموجودة بالفعل. ولكن ماذا يحدث عندما لا تكون هناك إجابات جاهزة أو خطط واضحة؟ هنا يأتي مفهوم أعمق من عالم نظرية التعقيد يُعرف بـ “صناعة المعنى” (sense-making)، وهو القدرة على فهم المواقف الغامضة وغير المؤكدة.
هذا المفهوم يصف بدقة التحديات التي يواجهها أي شخص في المواقف الصعبة. فهو لا يحتاج فقط إلى خطة ثابتة (معرفة منظمة)، بل يحتاج إلى تطوير قدرته على التعامل مع المواقف الجديدة وغير المتوقعة التي تواجهه يوميًا.
دور الداعم هنا ليس فقط إعطاء خريطة، لأن الخريطة قد تكون قديمة أو غير دقيقة في عالم متغير. دوره الحقيقي هو أن يعلمه كيف يقرأ التضاريس بنفسه عندما لا توجد خريطة أصلًا. هذا لا يعني إعطاءه خطة ثابتة، بل تزويده ببوصلة داخلية. إنه يعني تدريبه على تجربة خطوات صغيرة وآمنة (ما تسميه نظرية التعقيد ‘probes’ أو ‘sondages’)، ومراقبة النتائج، وتعديل المسار باستمرار. هذا هو جوهر “صناعة المعنى”—بناء القدرة على التصرف بفعالية في عالم لا يمكن التنبؤ به.
٥. بناء الشبكات أقوى من بناء الأرشيف.
تتركز الكثير من الجهود التنموية على جمع وتوثيق مشاكل الأفراد في سجلات وأرشيفات. لكن القوة الحقيقية للتغيير لا تأتي من مجرد تنظيم المعلومات، بل من ربط الناس ببعضهم البعض. وهنا تتقاطع الرؤية مع مفاهيم متقدمة مثل “الشبكات غير الرسمية” و”الشبكات البشرية المستشعرة” (Human Sensor Networks).
- ما أهمية هذا؟ القوة الحقيقية لمنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة (DPOs)، كما تؤكد عليها “هانديكاب إنترناشونال”، هي أنها تجسيد حي لمفهوم “الشبكات البشرية المستشعرة”. كل فرد في الشبكة لا يمثل حالة فردية تُؤرشف، بل هو “مستشعر” يرصد العوائق النظامية ويشارك خبراته الضمنية. وعندما تتصل هذه المستشعرات ببعضها، يتحول “الضجيج” الفردي الناتج عن المعاناة المنعزلة إلى “إشارة” جماعية قوية تطالب بالتغيير.
- بناء مجتمع مترابط يتبادل المعرفة الضمنية ويشكل صوتًا جماعيًا، هو أقوى وأكثر استدامة من بناء أرشيف منظم للحالات الفردية.
الخاتمة
إن هذه المبادئ الخمسة تثبت أن “إدارة المعرفة” في جوهرها ليست إدارة للمعلومات، بل هي فن تمكين الإنسان من بناء سيادته على قصته الخاصة. إنها عملية تحويل الفوضى إلى وضوح، والضعف إلى شراكة، والارتباك إلى بصيرة.
- في المرة القادمة عندما تفكر في مساعدة شخص ما، هل ستفكر في إعطائه معلومات فقط، أم ستفكر في مساعدته على بناء معرفته الخاصة والتحكم في قصته؟